مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الاثنين, 13 صفر 1440 هجريا, الموافق 22 أكتوبر 2018 ميلاديا
عاجل | شاهد.. لقاء وزير الخارجية “عادل الجبير” على قناة “فوكس نيوز” الأمريكية كاملاً

كوسوفا.. الطيور السوداء

تنتاب الإنسان لحظات تجلًّ في أويقات عابرة من حياته، تنبعث من حادثة ما أو مكان ما أو حتى شخص ما؛ تتعطل لديه الحواس كاملة، وتتغشاه حالة انتشاء أو سكرة، ولكأنه في حلم أو عالم بعيد، يعيش تلك اللحظات متمنيا ألا يفيق منها من فرط روعتها بنفسه.

ذلك ما كنت فيه، وأنا على جسر خشبي عتيق، أطالع الماء الذي يصخب بشرشرة عالية، يتدفق بلونه الشفاف الزاهي من بين صخور جبال “روجوفا” وسط البلقان. توقف بي الزمن وقتها، وغشيتني تلك اللحظات الساحرة، والماء تحتي موسيقى تُعزف، فيما الجبال حولي لوحةٌ مخضوضرة لأمداء لا تنتهي، دعك من هواء الجبال المنعش، الذي يتغلغل ببرودة لذيذة للروح، ما جعلني أهتف حينها من سكرتي: يا لله!! لو كانت الجنة بهذا الجمال والروعة؛ إذن لفزنا وربّ الكعبة.

أكملت كتابين عن رحلاتي في بلاد النجاشي والإمام البخارى، وقررت أن أكتب عن “كوسوفا” الجميلة، إذ عشت أحداثها المؤلمة في نهاية التسعينيات من القرن الفارط، وكتب الله لي زيارتها خلال الأسبوعين الماضيين. ذهبت لها وأنا أحمل نتفا يسيرة من معلومات متفرقة عنها، لأعود وقد صحّحت 90% مما كنت أحمله عنها، وحمدت الله على زيارتي لها في هذا الربيع الأجمل بتلك الديار.

أخذتني هناك صنعتي كإعلامي، وكنت أسأل بعض المتخصصين من مثقفيهم ومشايخهم عن بلادهم، وبدأت بالسؤال: هل اسم بلادكم كوسوفا أم كوسوفو بما نقرأه كثيرا؟ ، فكانت الاجابة: بل هي كوسوفا، وتعني أرض الطيور السوداء، أما كوسوفو فهي ما يطلقه علينا الصرب، ومعظم التراجم الغربية تكتبها كذلك، وهي نوع من التقليل بشأننا.

معظم أهل كوسوفا من قومية الألبان، وظننت عندما جئتهم أن أهل هذه الديار -بما في البوسنة والهرسك ومقدونيا وكثير من بلاد البلقان- أتراك، من بقايا العثمانيين الذين كانوا بها لخمسة قرون، بيد أنني فوجئت أنهم من قومية الألبان، ولهم لغتهم وعاداتهم وثقافتهم المختلفة بالكامل عن الترك، وأن كوسوفا الدولة الوحيدة التي نسبة المسلمين فيها 95%، والألبان يتميّزون بالبأس والقوة والجسارة والإخلاص والكرم، وكان المؤرخون العرب يطلقون على بلادهم “قوصوه”، بل حتى يلقبون ب”الأرناؤوط”، ويتفاخرون بالاسم، ذلك أن فريقا منهم –بما في بعض الروايات- كانوا في معارك بالشام، تحت لواء العثمانيين، ولكأن الدائرة دارت على الجيش الذي انسحب، بيد أنهم رفضوا الانهزام، وقالوا :”عار أن نعود”، وأطلق عليهم ذلك، ومع الزمن تحولت العبارة ببعض العجمة إلى “أرناؤوط”، ولتلك الجسارة والشجاعة؛ كانوا يمثلون أغلب جيش الإنكشارية في الدولة العثمانية.

الألبان بهم اعتزازٌ عالٍ بقوميتهم، ورغم أنهم متفرقون على مجموعة دول مثل ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا والجبل الأسود وصربيا وسنجق والبوسنة، إلا أن الانتماء للقومية يحضر بقوة لديهم، ومن طريف ما حصل لي هناك أنني سألت أحد المرافقين معي، وقلت له بأن بعض أفلام هوليود صوّرت الألبانيين أنهم عصابات مافيا شرسة، بأقصى درجات الإةجرام والوحشية، فهل هذا صحيح؟!

توقعت أن يجيبني بالنفي القاطع، وإذا به يجيبني من فوره وبصوت حاسم: نعم، ومضي مفتخرا: الألبان هم الأوائل في كل شيء، فبطلة العالم في الجودو مايليندا كلمندي ألبانية، ومصطافي وتشاكا لاعبا الأرسنال، وكذلك اللاعب الشهير شاكيري هم ألبان، ولدينا في علم الحديث الشيخين ناصر الدين الألباني وعبدالقادر الأرناؤوط، ومضى يعدّد لي أعلامهم ونجومهم، والعجيب أن الشاعر المصري الشهير أحمد رامي ألباني، وكذلك الممثلان أحمد مظهر وليلى فوزي تعود أصولهما للألبان، فضلا عن محمد علي باشا الذي يؤرخ به بعض المفكرين العرب كبداية للنهضة العربية.

من أعجب ما رأيت بتلك الديار؛ رفع العلم الأمريكي في كل مكان، وصور الرئيس بيل كلنتون في المطاعم والمحلات التجارية وبعض البيوت، والشعب هناك بكامله، من صغيرهم لكبيرهم، من شيخهم لعلمانيّهم، يحبّون الولايات المتحدة، ويدينون لهم بالحب الصادق والامتنان، وأتذكر أن رئيس بلدية إحدى المدن هناك، عندما زرته في مكتبه، وجدت علم الولايات المتحدة وعلم ألبانيا الكبرى بالنسر ذو الرأسين، وعلم كوسوفا الحديثة، وبادرته بالسؤال: أفهم أنك تضع علم كوسوفا، ولكن ما سرّ العلمين الآخرين؟ فقال لي: نحن لولا الله تعالى ثم هؤلاء الأمريكان لما توقف الصرب عن ذبحنا أمام أنظار العالم كله، فقد ارتكبوا مجازر عديدة لعزّل وقرويين ونساء دون أن نستطيع المدافعة عن أنفسنا، ولم يقف معنا إلا القلة في تلك الإبادة التي كانت تحصل لشعبنا، وبمجرد دخول أمريكا عبر حلف الأطلسي، توقفت المجازر واستطعنا الحياة، فنحن ندين لهم بحياتنا. أما علم ألبانيا، فلأنه كان العلم الذي كنا نقاوم ميلشيات الديكتاتور ميلوسفيتش الصربية، ونطالب باستقلال دولتنا، لذلك نعتز به كثيرا.

كوسوفا بلاد جميلة، ومن يزورها –في الربيع خصوصا- يجدها جنة البلقان بحقّ، حيث رؤوس الجبال تكتسى البياض بفعل الثلج الذي لم يذب، والماء يتفجر ينابيع، ويجري كجداول في معظم الأماكن، يتجمع في نهر أبيض جميل، متدفقا بهدوء حينا، جاريا بقوة وصخب حينا آخر، وإن مددت كفيك لتعبّ من ذلك الماء؛ لتلذعك برودته، وما تلبث إن شربته، لتستطيب تلك العذوبة التي أحسب أنني لم أذق في حياتي ألذّ ولا أعذب من ذلك الماء الزلال، والحقيقة أنها بلاد سياحية من الطراز الأول، وإن كانت العائلات الخليجية تذهب للبوسنة والهرسك مؤخرا، إلا أنني أتوقع أن كوسوفا ستكون خلال الخمس السنوات المقبلة هي موئل السياحة الخليجية لتوافر كثير من المميزات والخصوصية التي تفضلها العائلات المحافظة، ولا أنسى تدلّه مرافقي الشيخ الفاضل مصلح بمدينته “بيا” الجميلة، ونحن مارين بقرية الشيخ عبدالقادر الأرناؤوط محدّث الشام، لنتوغل بعدئذ في تلك الجبال الشاهقة، نمرّ بالأكواخ المتناثرة على سفوح الجبال الخضراء التي لا تنتهي، تأخذ بتلابيب النفس، وتحلق بالروح من روعتها، وأتذكر أنني جلست على البساط الأخضر في سفح الجبل، لا تطاوعني نفسي على أن أقوم وأغادر، من الجمال الممتد أمامي.

زرت مدينة “فوشتري”، ورأيت القوم هناك يلهجون ثناء على أحبتنا في الإمارات المتحدة، إذ كانت ثمة كتيبة عسكرية لشقيقتنا مكثت لسنتين هناك، وأنشأ الشيخ زايد بن سلطان يرحمه الله في تلك المدينة مستشفى قمت بزيارته، وبنى لهم جامعا كبيرا يحمل اسمه صليت به، وقال لي مرافقي: لا توجد أسرة كوسوفية بهذه المدينة إلا تشكر وتدعو للشيخ زايد يرحمه الله، إذ وصل خيره لكل أسرة هنا.

لاقيت سماحة مفتي كوسوفا ورئيس المشيخة الاسلامية هناك الشيخ نعيم ترنافا، أحد أبطال تلك البلاد، والرجل محبٌّ للمملكة، ولا يني يتحدث فخرا وحبا عن لقائه بمليكنا الكبير عبدالله يرحمه الله، ويتذكر وصاياه الثلاث له بكثير من الإجلال؛ أن ابعدوا المتطرفين عن بلادكم، وتحلوا بالصبر، واعملوا بهدوء لبناء وطنكم.

سألت سماحة المفتي عن إيران، وهل دخل الصفويون كوسوفا كما فعلوا في البوسنة والهرسك، حتى بات بعض البوسنيين شيعة للأسف، أجابني بحزم: لا يمكن لهم أن يدخلوا أرضنا، إنهم أتوني هنا، وأعطوني شيكا وقالوا اكتب المبلغ الذي تريد، في مقابل افتتاح مركز ثقافي إيراني فقط، ورفضت رفضا قاطعا، وقلت لهم: هذه البلاد مذ عرفت الإسلام من قرون طويلة مسلمة سنية، ولا أسمح لكم أن تشيعوا أحدا، وربما يحاولون الالتفاف على المشيخة، إلا أننا ضدهم أبدا.

سماحة مفتي كوسوفا شكر كثيرا جدا في معالي الشيخ محمد العيسى، وقال بأن زيارته لهم في العام الماضي كانت موفقة، وأن رابطة العالم الاسلامي أخذت منحى جديدا ومتصاعدا في العمل الإسلامي، ود.العيسى يقدم اليوم في أوروبا إسلاما متسامحا منفتحا، ويعمل بدأب في تصحيح صورة الإسلام، ونحن نشجعه ونحتفي بكل خطواته، كما أثنى سماحته على دور الهيئة العالمية للقرآن الكريم في دعم مسابقات القرآن في كوسوفا.

في جعبتي الكثير والكثير عن كوسوفا، سأسطره في الكتاب الذي أعتزم إصداره، ولكن أهمس هنا بأن الألبان ليسوا تابعين بالكلية للأتراك، ومن الحكمة المسابقة لهم وكسبهم، والقوم يعيشون حلم ألبانيا الكبرى، ويقيني أنهم خلال عقود قليلة سيكوّنون دولتهم، إذ لأول مرة في تاريخهم كله، عبر القرون السحيقة من حكم البيزنطيين والرومان والعثمانيين والصرب؛ يحكمون أنفسهم اليوم، ومن يظن أنهم أتراك بالتبعية مخطئ، إذ لهم توجهاتهم وسياساتهم الخاصة بهم.

كوسوفا يمكن لها أن تلعب دورا مهما في عملية تصحيح صورة الاسلام، لأوروبيتها الكاملة، ومكانة الولايات المتحدة بين شعبها، في ظل رفض الغرب لتركيا أردوغان.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة