مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الأحد, 12 صفر 1440 هجريا, الموافق 21 أكتوبر 2018 ميلاديا

بيسان عناب تكتب| “فارسا نوبل.. دنيس ونادية.. وضحايا العنف الجنسي”

مناصفة بين كل من الطبيب الكونغولي دينيس موكويغي والإيزيدية نادية مراد، اقتُسمت جائزة نوبل للسلام هذا العام. ورغم أن كلا الطبيب والفتاة فازا في الجائزة ذاتها، إلا أن الإيزيدية الفتية ذات الوجه الشاحب والعينين القويتين بانكسارهما خطفت الأضواء من الطبيب الذي ما انفك يناضل ويناضل من أجل محاربة العنف الجنسي ومعاونة ضحاياه.
فالطبيب الذي ناهز الستين عاماً من العمر واشتهر بلقب “ملاك بوكافو” تقديراً لجهده في مكافحة العنف الجنسي كسلاحٍ في الحرب بجمهورية الكونغو الديموقراطية، درس الطب وأسس مركزاً طبياً لرعاية النساء والأمهات فى مدينة بوكافو، بيد أن أول مريضة قابلها موكويغي لم تكن تعاني مشاكل حمل أو ولادة.. لقد كانت ضحية اعتداء جنسي!
ذلك الأمر دفع موكويجي لتصويب أهدافه اتجاه ضحايا العنف الجنسي، فقدم المساعدة الطبية للضحايا، وأيقن مبكراً أن ذلك لا يفي بالغرض؛ فآثار الاغتصاب ليست جسدية وحسب، بل إن ضحايا هذه الجريمة عادة ما يعانون من أضرار نفسية لا يستطيعون معها العودة للحياة بشكل طبيعي، لذا واصل جهوده بتشييد مستشفى بانزي فى مدينة بوكافو عام 1991، والذي قدم المعونة للضحايا على عدة أصعدة أولها الرعاية الطبية والدعم النفسي، وكذلك قدم المعونة الاقتصادية والاجتماعية وساهم كذلك بالمساعدة في الشؤون القانونية؛ وقد استطاع بمعاونة فريقه علاج عشرات الآلاف من الضحايا.
وقد اعتلى موكويغي منصات عالمية ليندد بالعنف الجنسي ويدين استخدامه كاستراتيجية حرب، فتعرض إثرها لعدة محاولات اغتيال أفلت منها وتحداها ليعود إلى بلاده ويواصل مساعيه الصادقة في تحقيق رسالة السلام، فاستحق “ملاك بوكافو” جائزة نوبل للسلام لهذا العام.

وأما ابنتنا -إن صح القول- تلك الفتاة الإيزيدية العراقية القادمة من سنجار، والتي أولاها العالم جل اهتمامه واحتفلت آلاف النساء بفوزها سراً وعلانية، فقد عانت الأمرَّين برغم سنها الصغير وقاست ما يتألم المرء لمجرد سماعه حتى!
نادية مراد التي لم تجاوز العشرينيات من العمر بعد، ولدت عام 1993 بقرية كوشو الصغيرة شمال العراق. وقعت فى أسر تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، عندما اقتحم المسلحون القرية وقتلوا المئات من السكان بمن فيهم أمها وستة من إخوتها أمام عينيها بدم بارد، ومن ثم اقتيدت نادية وأكثر من 150 امرأة إيزيدية أخرى إلى الموصل -معقل التنظيم آنذاك- وظلت فى قبضتهم لعدة أشهر عاشت خلالها حياة الرق الجنسي من قبل الجهاديين، وفيها تلخصت مأساتها؛ وكونها سبية لديهم، فقد تم بيع نادية وشراؤها عدة مرات، كما تعرضت لانتهاكات جنسية وجسدية أخرى أثناء احتجازها.

أنقذت العناية الإلهية نادية وتسنى لها الفرار من أيدي المسلحين بمساعدة عائلة موصلية مسلمة كانت تقيم عندهم. وعندما وصلت إلى بر الأمان؛ لم تلملم جراحها وتقطبها بالصمت والنواح المكبوت ليلاً.. لقد كشفت عن وجهها ورفعت صوتها و وبدأت العمل كناشطة للدفاع عن حقوق الإيزديين، مستهدفة القضاء على الاتجار بالبشر ومطالبة العالم باتخاذ موقف صارم ضد استخدام الاغتصاب كسلاح حرب.
وقفت نادية بشجاعة وتكلمت للجميع، أخبرت العالم قصتها ولم تخجل أو تتراجع.. لم يعد لديها شيء، أو أحد، لتخسره!
لقد تحدثت في الثامن عشر من ديسمبر 2016 في مجلس الأمن الدولي، وروت كيف تم اغتصابها من قبل أعضاء التنظيم واستعبادها جنسياً هي وبنات إيزيديات أخريات. قالت نادية وقد غلبتها الدموع: “لم أكن وحدي، وربما كنت أكثرهم حظاً، وبمضي الوقت وجدت وسيلة للهروب، فى حين لم يستطع ذلك آلاف آخرون، ما زالوا محتجزين”.
إنها على حق، هنالك آلاف من البشر بمصائر مجهولة في مناطق الصراع والحروب، يتم استغلالهم واستعبادهم جنسياً واحتجازهم بلا أي وجه حق ودون رحمة أو شفقة!
لقد هربت نادية واعدة رفيقات لها عرفتهن ولم تعرفهن بأن تكون صوتاً يصرخ من أجلهن.. وهي قد فعلت، ولا زالت تصرخ بأعلى صوتها في كل المحافل الدولية والإقليمية وكيفما تسنى لها أن تقف وتشد أنظار العالم إلى معاناتها؛ ونالت مراد كثيراً من الجوائز والأوسمة تشجيعاً لها وتقديراً لشجاعتها في الحديث عما عانته، لكن كل هذه النياشين البراقة لا ولن تعوض عذاب الطفلة التي كانتها ذات يوم.. فهناك جرحٌ لا يندمل.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*