مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الجمعة, 7 ربيع الآخر 1440 هجريا, الموافق 14 ديسمبر 2018 ميلاديا

قضايا البث الفضائي

تزامن انتشار البث الفضائي العربي الموسع مع بروز ظاهرة العولمة وما رافقها من تغيرات، الأمر الذي فرض أمام الإعلام العربي تحديات كبيرة في ظل عولمة الإعلام ولاسيما بعد أن توفرت الإمكانات لدى المواطن العربي في استقبال القنوات الأجنبية الوافدة إلى الوطن العربي، ومنها ما يبث برامجه باللغة العربية، وما يمكن أن تحدثه من تأثيرات سلبية بسبب تعرض المشاهد العربي إلى برامجها.
إن من بين أهم أهداف العولمة الإعلامية سعيها الحثيث لفرض أنماط محددة على بلدان العالم المختلفة بمسوغ عولمة الإعلام، وتستغل في تنفيذ ذلك قنوات البث الفضائي؛ ولقد بدأت ملامح تلك الهيمنة تبرز بشكل كبير منذ عقد التسعينيات من الألفية الثانية، بالتركيز على البث الفضائي في الدعاية والإعلام في ضمن المنظمات الدولية الأخرى.
ويعرف البث الفضائي Satellite Broadcasting بأنه إرسال إشارة قوية يمكن استقبالها مباشرة بواسطة أجهزة التلفاز العادية المجهزة بهوائي خاص؛ بمعنى أن الاشارة المرسلة من القمر الصناعي لا تمر بمحطات أرضية تتولى إعادة بثها على الشبكات التلفازية العادية.
وتشكل القنوات الفضائية الوافدة تيار تحدٍ فكري لم يألف الإنسان العربي في مراحل حياته مثل هذا التدفق في المعلومات والأفكار والأوضاع، ويجد فيه كثيراً من الاختلاف عما هو مألوف، لذا من المحتمل أن يحدث هذا التيار هزة في تفكيره، وقد تشكل تلك الهزة حافزاً يدفعه إلى التمعن في فكره بشكل واسع، على أساس أن مشكلات جديدة ستبدد أمامه.
إن الحق في حرية الرأي والتعبير حق أساسي يظهر في عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية، وتعتبر المادة 19 في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الإطار الدولي الأساسي الذي يقنن هذا الحق، وتنص المادة 19 على ما يلي:
1. لكل إنسان الحق في اعتناق آراءه دون مضايقة.
2. لكل إنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
– لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
– لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
أما الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 2004، فقد جاء مخالفاً لهذا المبدأ الأساسي في القانون الدولي حيث أنه سمح بتقييد حرية الرأي والتعبير، ونصت المادة 32 من الميثاق العربي على أن:
1- يضمن هذا الميثاق الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير وكذلك الحق في استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود الجغرافية.
2- تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار المقومات الأساسية للمجتمع ولا تخضع إلا للقيود التي يفرضها احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
كما أنه وبحسب وثيقة “مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي في المنطقة العربية” في إطار جامعة الدول العربية في 2008، تلتزم هيئات البث ومقدمو خدمات البث الفضائي وإعادة البث الفضائي بمراعاة قواعد عامة منها: عدم التأثير سلباً على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والنظام العام والآداب العامة، وتقوم المبادئ بوضع معايير وضوابط تلزم هيئات البث ومقدمو خدمات البث وإعادة البث الفضائي بتطبيقها احتراما لكرامة الإنسان وحقوق الآخر، واحترام خصوصية الأفراد والامتناع عن انتهاكها بأي صورة من الصور، والامتناع عن التحريض على الكراهية أو التمييز القائم على أساس الأصل العربي أو اللون أو الجنس أو الدين، والامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب، ومراعاة أسلوب الحوار وآدابه، واحترام حق الآخر في الرد، مراعاة حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في الحصول على ما يناسبهم من الخدمات الإعلامية والمعلوماتية تعزيزاً لاندماجهم في مجتمعاتهم، الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي، والامتناع عن بث كل ما يسيء إلى الذات الإلهية والأديان السماوية والرسل والمذاهب والرموز الدينية الخاصة بكل فئة، والامتناع عن بث وبرمجة المواد التي تحتوى على مشاهد أو حوارات إباحية أو جنسية صريحة.
إن البث الفضائي المباشر حول العالم المترامي الأطراف إلى شاشة إلكترونية صغيرة.. ومهما كانت إيجابيات هذا التطور، فإنه قد صاحبه أيضاً نوع من الهيمنة، وهذا ما يبرز جلياً في هيمنة البث الأجنبي الموجه إلى المشاهد العربي من أساليب دعائية مؤثرة تعمد لصنع المواقف واستمالة الجمهور وتضليل الرأي العام العربي، وتتضمن تهديدات بالغزو الثقافي.
إن التحديات التي يواجهها الإعلام العربي من جراء عولمة وسائل الاتصال في ظل واقع التجزئة التي يتعرض إليها النظام الإعلامي العربي، وتحكم كل نظام سياسي بإعلامه وإحكام قبضته عليه؛ مما قد عكس ذلك على محتوى الخطاب الثقافي الذي تبثه الفضائيات العربية.
كذلك التحدي التقني المتمثل بالتطور المادي الحاصل في مجال البث الفضائي المباشر واحتكار السيطرة على تكنولوجيا الإعلام والمعلومات من قبل الدول المصنعة لها.
كل ذلك يضعنا وجهاً لوجه أمام تحدٍ حقيقي كبير يلزمنا تنظيم هذا المد الإعلامي الجارف وتأطيره ضمن المنطق والمعقول، ما دعت الحاجة لذلك.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*