مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الجمعة, 7 ربيع الآخر 1440 هجريا, الموافق 14 ديسمبر 2018 ميلاديا

عوض العرياني يكتب l مشاعر مغلفة

مشاعر مغلفة

رأيته واقفاً، ملامحه مبهمة، خطواته واثقة.. نزل إلى القبر، وضع ابنه في لحده، ثم شارك الناس في الدفن؛ ليقف بعدها مخاطباً الجميع: ” ادعوا له بالرحمة، ومن له عليه دين؛ فأنا كفيل به”.
رأيته يستقبل المعزين بثبات عجيب، وخلال أيام العزاء كنت أنظر إليه وهو يتحدث مع الناس، وأحياناً تعلوه ابتسامةٌ باهتة!
سألت ابنه الأكبر عن سر هذا الصمود؛ فكلنا يعلم مدى حبه لذلك الابن المتوفى، أجابني بعبارات صادمة فقال: “لو سمعت صوت بكائه عندما يغلق عليه غرفته؛ لما سألتني عن حاله”!

من قال إن إظهار الحزن محرمٌ شرعاً..؟
من أقنعنا بأن الرجولة والقوة، لا تتفق مع الدمعة الصادقة، والحزن على المصاب؟

بكى سيد الخلق حين وضع ابنه في قبره،
سالت دمعته على خده الشريف واعترف بأن الحزن يعتصر قلبه على فراق ذلك الابن فقال: “إنَّ العين لتدمع وإنَّ القلب ليحزن وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون”.

بكى يعقوب عليه السلام عندما فقد يوسف فقال تعالى في شأنه: (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).

ضحكوا علينا بقولهم: لا تحزن! وكان الأولى أن يقولوا: لا تسخط..

الحزن شعور رباني، لم يضعه الخالق لكي تغلفه بالكبرياء والعادات البالية، قلبك الضعيف لا يتحمل كل الهم الذي تخفيه؛ فقد جعل لك خالقك دموعاً حارقة، تذيب الهم والحزن..

نحن أمة تجيد تغليف مشاعرها، إلى أن وصل بنا الحال للسخرية ممن يظهر عليه الحزن أو الفرح، فنتهمه بخفة العقل وضعف العزيمة.

لم يتوقف أمرنا عند تغليف الحزن وحسب، بل إنّا نجيد التغليف لكل مشاعرنا، فنجد أحدنا يدخل عليه ابنه حاملاً الشهادة الجامعية مع مرتبة الشرف الأولى، ينتظر منه فرحة عارمة؛ فإذا بوالده لا يحرك ساكناً، قلبه يرقص فرحاً وأطرافه متجمدة مكانها، يخجل حتى من العناق، ثم يتفضل عليه بعبارة (مبروك)!

تدخل إلى قصور الأفراح، الوجوه شاحبة، لا ترى من خلالها أبسط مشاعر الفرح، ولا تجدهم يبتسمون إلا عندما يتقدم والد العريس ليقول: العشاء حياكم الله!

لو أرادك الله حجراً؛ لنزع منك كل المشاعر ولكنه خلقك إنساناً، وزرع بداخلك مشاعر متناقضة من حزن وسعادة حب وكره؛ فلا تضع أحدهما مكان الآخر؛ فيختل التوازن بداخلك، وتصبح صورةً لإنسان لا يمثل شخصيتك وصورتك التي خُلقت عليها.

أخيراً، تذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بانت نواجذه، وبكى حتى ابتلت لحيته.
وتذكر ‏أن الطيبون لا يؤذون أحداً، لكنهم يؤذون أنفسهم كثيراً وهم لا يشعرون.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*