مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الخميس, 14 رجب 1440 هجريا, الموافق 21 مارس 2019 ميلاديا

الاعتماد الأكاديمي بين الواقع المرير و الحلم الجميل!

أجهدتُ نفسي كثيراً في اليومين الماضيين أقرأُ هنا و هناك عن ما يسمى بالاعتماد الأكاديمي، و ليتني لم أفعل! كنتُ أعتقدُ أنَّ الهدف الرئيسي من الاعتماد الأكاديمي، أو على الأقل الهدف الواضح، هو جعل المؤسسات التعليمية في المملكة كلَّها قابلة للتخصيص، بحيث تصبح كلُّ مؤسسة تعليمية، جامعة كانت أو غيرها، جاهزة للمنافسة و التحدي، المنافسة بمعنى أن تفوز هذه الجامعة أو تلك بثقة و اختيار الطلاب و أولياء أمورهم و المانحين، و هذا ما يجعل للاعتماد معنى و قيمة. و ما عدا ذلك فإنَّ كلَّ الجهود المبذولة في سبيل الاعتماد الأكاديمي- إن أحسنا الظن- تظل مجرد محاولات عادية لا قيمة لها في واقع العمل الأكاديمي، أو لعلها تندرج تحت ما يعرف بـ “ضياع التعب” أو بالأحرى العبث!
معظم الجامعات التي مررتُ على مواقعها الإلكترونية في قراءاتي لهذا الموضوع، وجدتُ أنها لا تعي ماذا تريد بالضبط من الاعتماد الأكاديمي، و إذا وعتْ ذلك أو شيئاً من ذلك فليس لديها القدرة على تصور نتائج ما تقوم به، و لو قلنا جدلاً أنها بالفعل تستطيع توقع و تصور النتائج فإنها لا تدري ماذا سيحدث بعد التوقعات! و المتابع لأنشطة الجامعات يجد في مواقعهم و نشراتهم عبارات و كلمات كبيرة جداً، رنانة و طنانة، و لكنهم في الواقع لا يفعلون شيئاً، و إن فعلوا فليس كما ينبغي، خذ على سبيل المثال، مراكز الدراسات و التخطيط الاستراتيجي في الجامعات و ربما تُسمى بإدارة التخطيط الاستراتيجي أو من هذا القبيل. و بالطبع فإنك حينما تسمع مثل هذه المصطلحات الكبيرة و المخيفة تظن هكذا من الوهلة الأولى أنك أمام مجموعة من المفكرين و الباحثين يرسمون خططاً جبّارة لاحتلال بلاد الواق واق و البحث فيها عن الزئبق الفوشي أو للسيطرة على منابع نهر القمر و تحويل مصبها إلى سد وادي مدهاس!
دعونا من كلمات الرن و الرنين و عبارات الطن و الطنين، و هيا بنا إلى ورش الاعتماد الأكاديمي التي تقوم عليها وكالات التطوير و عمادات الجودة في الجامعات.. أتذكر -إن لم تكن قد شابتْ ذاكرتي- أن دورات و ورش الاعتماد الأكاديمي بدأتْ منذ عشر سنوات، حيث روّجت لها الإدارات العليا في الجامعات كعادتها و تحت ما اسمته بالخطط الاستراتيجية الخمسية و العشرية، و الأيزو و الأبت و إلخ. و طبعاً طوال هذه المدة لا أحد في الإدارات العليا و لا أحد من مستشاري تلك الإدارات يعمل مجاناً، أو يعمل ضمن أعباء وظيفته الأكاديمية و الإدارية، و إنما يعملون ضمن لجان دائمة، و اجتماعاتهم و دوراتهم و ورشهم بمقابل مادي، الله أعلم كم كانوا يتقاضون، و كم هي الحسبة! و كيف تُقسّم الغلة! لا نعلم، ما نعلمه يقيناً أن هناك “تفحيط” منذ عشر سنوات، على الأقل في الجامعات الكبيرة، و إذا كان هذا حالهم فغيرهم من الجامعات الناشئة “مغرز” و مازال يطالب بالدعم! و سبحان الله، من محاسن الصدف أن الإدارات العليا بالجامعات قبل مدة طالبت و بشكل عاجل أعضاء هيئة التدريس بتذكّر أعبائهم التدريسية لمدة عشر سنوات مضت، و طالما أن “السالفة سالفة ذاكرة الـ 10 سنوات” فلا بأس أن تُعامل لجان الاعتماد و التخطيط بالمثل، و تقوم “بتشغيل ذاكرتها” و تعد كم دورة، و كم ورشة، و كم لجنة دائمة أو طارئة خُصصت لغرض الاعتماد الأكاديمي و التخطيط الاستراتيجي!
تعالوا نتساءل مرة أخرى، لو لم يحصل قسمٌ معينٌ على هذا الاعتماد الأكاديمي، ما الذي سيحدث؟! يُغلق القسم و يُلغى التخصص و يُسرّح العاملون فيه؟! و في المقابل ماذا لو حصل هذا القسم على الاعتماد الأكاديمي، ما الذي سيحدث له؟ هل نتوقع أن يتوافد عليه طلابٌ اسكندنافيون أو يابانيون! و تصبح مدخولات القسم و عائداته المالية مغرية جداً لدرجة أن تتسمى الجامعة باسم هذا التخصص؟! و تكثر العطايا و الهبات! طبعاً لا هذه ستحدث و لا تلك.. ماذا سيحدث إذن!! ستُعاد الكرّة مرة تلو المرة و ستعلو أصوات المستنفعين لإقامة الدورات و الورش و البرامج المستهدِفة للاعتماد الأكاديمي!
مجموعة من الزملاء مشكورين تحدثوا عن عمل لجان الاعتماد الأكاديمي، و ذكروا أموراً مشجعة عن الدورات و الورش التي يحضرونها، و استشهدوا بالعبارات المنمقة التي تزخر بها مواقع عمادات الجودة و وكالات التطوير! مع العلم أن هؤلاء الزملاء و مثلهم كثيرون لا يتقاضون مردوداً مالياً، و لكنهم مُلزمون بحضور الدورات التدريبية و ورش العمل و خلافه.. أعتقد و أرجو ألا أكون قاسياً فيما أعتقده، أن من يحضر مثل هذه الدورات من الأساتذة إنما ارتضوا عمداً أو جهلاً أن يكونوا كقطع الشطرنج ينقلها اللاعبون الرئيسيون كيفما شاؤوا و كيفما كانت ظروف اللعبة. لا أستطيع أن أتخيل أن أستاذاً جامعياً بدرجة فيلسوف ما يزال يحضر دورة تدريبية أو ورشة عمل مبتدئة! إن كان الأمر كذلك فقبل الاعتماد الأكاديمي يجب على الدولة التفكير في إعادة تأهيل الأساتذة أنفسهم!
إذن ما الحل؟! هل نترك الاعتماد الأكاديمي كله على أساس أنه خطيئة؟! بالطبع لا، و ألف لا، فهو ليس خطيئة، و لكن قبل الحديث عن أي شيء آخر يجب أن تتم محاسبة كل اللجان السابقة التي عملت في برامج الاعتماد الأكاديمي و وضعت الخطط الاستراتيجية و تقاضت أموالاً قليلة كانت أم كثيرة و لم تنجز عملها على الوجه المطلوب، و يُفترض أن تكون المحاسبة مُعلنة للكل، و كذلك العقوبات إن وجدت يجب أن تكون معلنة أيضاً، ثم بعد ذلك نبدأ مرحلة جديدة من التصحيح، حازمة و جادة، و لا مجال فيها للمحاباة أو المجاملات. و لا بد أن نكون واضحين في مسألة أهداف الاعتماد الأكاديمي، كأن نقول أن الاعتماد إذا تم لهذا القسم أو ذاك فهذا يعني أن أساتذة القسم مؤهلون للحصول على مزايا التميّز و بدلات التعليم و التمتع بكل امتيازات الجامعة من تجهيزات معملية و حضور مؤتمرات عالمية أو محلية و هكذا.. ما لم يحدث هذا أو شيء منه فإن الاعتماد الأكاديمي للأسف سيتحول إلى ما يشبه محاولات فرانك اباغنيل في “كاتش مي إف يو كان”.

بقلم.. أ.د. بندر الزهراني

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة