مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الأربعاء, 15 جمادى الآخر 1440 هجريا, الموافق 20 فبراير 2019 ميلاديا

تصنيف الجامعات 2

جاءتني مجموعة من التعليقات الجميلة من بعض الزملاء والزميلات بعد نشر الجزء الأول من هذا المقال، منها ما كان داعماً منسجماً مع نسق المقال ومنها من حاول أصحابها الدفاع عن واقع لا يسر قد اشتركوا فيه بحسن نية.. أغلب التعليقات اتفقت على أن التصنيف الذاتي هو البداية الصحيحة ليس للوصول إلى التصنيف العالمي فحسب بل وللمحافظة على المراكز التي سوف نحققها إذا ما وصلنا إليها بخطط علمية مدروسة، وإن كنت على المستوى الشخصي لا أتفاءل كثيراً بعبارة “الخطط العلمية المدروسة”
 
النوع الثاني من التصنيف وهو التصنيف التقليدي، وفي هذا النوع من التصنيف تقوم جهة معينة بوضع معايير محددة تُقيّم من خلالها دور الجامعات حول العالم بعد رصد أنشطتها التعليمية والبحثية.. والواقع أن هناك أكثر من جهة تقوم بهذا الدور، وإن كانت الريادة في ذلك تعود لجامعة شانغهاي جياو تونغ التي بدأت فكرة التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم (ARWU) عام 2003م لأغراض بحثية لمعرفة مواقع الجامعات الصينية من نظيراتها العالمية، ثم تبعها في ذلك تصنيف كيو إس (QS) في العام 2004م، ثم تصنيف مجلة التايمز (Times-HEWUR)، وتصنيف ويبومتركس (Webometrics)، وهكذا.. ولأن لكل تصنيف معايير مختلفة عن الآخر في الكم وأحياناً في الكيف فإن النتائج في عمومها ستكون متفاوتة، إلا أنها تتفق إلى حد كبير إذا ما نظرنا للجامعات العشر الأول في قائمة كل تصنيف.
 
جودة التعليم معيار من معايير التصنيف ويمثل 10بالمئة من النسبة العامة في التصنيف، والمقصود بجودة التعليم هو أثر التعليم في الجامعة على الخريجين منها، ويقاس ذلك الأثر بعدد الخريجين الذين حصلوا على جوائر عالمية كجائزة فيلدز في الرياضيات أو جائزة نوبل في العلوم الأخرى، ومن المعايير المهمة جودة البحث العلمي وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، ويمثل كل منهما نسبة 40 بالمئة، وكلا المعيارين يتعلقان بالنشاط البحثي مُنتِجاً ومُنتَجاً، ويتبقى 10 بالمئة تكون على حجم الإنجاز وتحسب بالتناسب مع المعايير السابقة. هذا يعني أن حجر الأساس في التصنيف هو البحث العلمي، وحتى نحتل مراكزاً متقدمة في التصنيف العالمي يجب أن يكون لدينا حركة بحث علمي حقيقية لا مجرد أوهام، فبدون البحث العلمي الحقيقي (مازلت مُصراً على استخدام لفظ حقيقي) لا يمكن أن نكون رقماً له معنى في قوائم التصنيف العالمي للجامعات.
 
ليس هناك شك في أن البحث العلمي أحد مؤشرات النمو الفكري لدى المجتمعات البشرية الحديثة، وهو المقياس الأكثر صدقاً لوعي النخب المثقفة في أي مجتمع، فضلاً عن أهميته في التطور الاجتماعي والطبي والاقتصادي والتجاري وهكذا.. ولولا أن القرآن الكريم كلام الله عز و جل وأن السنة النبوية الشريفة هي وحي أوحاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لقلت أنهما البحث العلمي الذي نقل العرب من الجاهلية الجهلاء إلى قيادة الشعوب وسيادة الأمم (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم)، وبلا شك أنهما السبب الحقيقي وراء خروج العرب من الظلمات إلى النور، ولكن لرفعتهما وعلو شأنهما عن أي بحث بشري تعتريه العلل وأوجه النقص وجب تنزيههما فرضاً لا اختياراً.
 
تنشط حركة البحث العلمي الحقيقية في الدول الصناعية الكبرى، وتنكفئ في الدول التابعة في اقتصادها والمستهلكة في معظم احتياجاتها الحياتية. لذلك نجد الحركة البحثية تزدهر وتتطور في دول كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا وأستراليا وبعض دول أوروبا كألمانيا وفرنسا والسويد و يطاليا وكذلك الصين واليابان وروسيا والهند، وهذا يتبين من حجم الإنفاق الذي تبذله الحكومات لصالح الأبحاث في مختلف المجالات العلمية، فعلى سبيل المثال أمريكا وحدها تنفق على البحث العلمي ما يعادل نصف تريليون دولار أمريكي، وهذا الكم في الإنفاق بلا مبالغة يعادل الميزانية العامة في الدول العربية مجتمعة!
 
إذن بلوغ الجامعات مراكز متقدمة في التصنيف العالمي يعتمد أساساً على جودة البحث العلمي مصحوباً بالدعم السخي والمقنن بشكل جيد، ويجب أن لا نقع في فخ البرامج الوهمية التي اعتمدتها بعض الجامعات السعودية، فنتقدم مرة بشكل يدعو للشك والريبة ثم نتراجع ألف مرة لدرجة أننا لا نكاد نظهر في التصنيف بمختلف أشكاله وأنواعه! وإني أتساءل لماذا لا يكون لدينا تصنيف محلي على مستوى الجامعات السعودية تقوم به وزارة التعليم أو الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي أو المركز الوطني للقياس! إلى متى ونحن نسبح في فلك تقليد الآخرين وإلى متى يلازمنا شعور فقدان الثقة في النفس وعدم الاتزان!

بقلم..
أ.د. بندر الزهراني
 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*