مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الجمعة, 19 رمضان 1440 هجريا, الموافق 24 مايو 2019 ميلاديا

التنمّر بين الأكاديميين حقيقة أم ضرب خيال!

في إحدى النقاشات الإلكترونية المكمّلة لحوارات بعض المجالس العلمية عبّر أحد الزملاء عن خوفه و قلقه الشديد من انتشار و تفشي ظاهرة التنمّر بين الأساتذة الجامعيين، و ذكر أن هذه الظاهرة بدأت في الانتشار على نطاق واسع و بأشكال مختلفة في الجامعات، حيث تتنمّر بعض القيادات الأكاديمية على الموظفين تحت إدارتها، و على المراجعين و المستفيدين من خدماتها، متخذةً من سُلطتها الوظيفية و فهمها الخاص للأنظمة و اللوائح مرجعاً و مستنداً في تحقيق أغراضها النفسية.
الحقيقة أنني أصبتُ بالدهشة و الذهول من وقع اللفظ أولاً، و من صعوبة تخيّل وجود هذه الظاهرة في المجتمعات الأكاديمية، و كنت أولَ من اختلف مع زميلنا في مسألة إسقاط ظاهرة التنمّر على المجتمع الأكاديمي، على الأقل من ناحية فكرية و أدبية، و استبعدتُ أن أستاذاً جامعياً بدرجة فيلسوف يكون صيداً سهلاً أو حتى صعباً لمتنمّر، لا فكرياً و لا لفظياً و لا حتى جسدياً! و الأجواء الأكاديمية أجواءٌ راقية و مرنة بطبعها و طبيعتها و متطورة و متجددة بحواراتها و نقاشاتها، و لا تسمح بوجود مثل هذه الظاهرة إطلاقاً.. كارثة أن نقول هذا فيلسوف متنمّر و ذاك فيلسوف متنمَّر عليه!.. لم يحدث شيء كهذا من أيام أرسطو و إلى يومنا هذا، و أنكرت قطعاً أنها موجودة في جامعاتنا، فعلى المستوى الشخصي -و كثير مثلي- لا نقبل أن يأتي مسؤولٌ مهما علت رتبتُه الوظيفية و يُسقِط عرفاً أكاديمياً، أو يخترق لائحة تنظيمة تحت أي ذريعةٍ كانت أو هكذا لمجرد أن في يده سُلطة إدارية. و هذا هو الوضع الطبيعي و الصحيح، و هو المفترض أن يكون سائراً و سائداً في كل الجوانب و الأشكال الأكاديمية و الإدارية في جامعاتنا و مرافقنا التعليمية.
لكن إنكاري لم يصمد طويلاً للأسف الشديد! فبمجرد إجراء مراجعة سريعة لواقع جامعاتنا و استعراض بعض النماذج الحية من القيادات الأكاديمية أدركتُ أنَّ التنمّر الأكاديمي مرضٌ سرطانيٌ ينخر في كل مفاصل و خلايا الوظائف الأكاديمية و الإدارية، و لو أنكرنا اللفظ و التسمية و رغبت عنه ذوائقُنا الأدبية و الفكرية إلا أنه موجود شكلاً و ممارسة.. و دعوني أعطيكم أمثلةً حيةً لأحد المتنمّرين، و هو مسؤولٌ سابق في جامعة كبيرة، كان إذا غضب على قسم ما، قال في مجلسه سأقوم بإغلاقه و تسريب أساتذته على الأقسام الأخرى! و كأن الجامعة ملك أبيه أو جده!! المشكلة أنه إلى اليوم ما زال يعمل مستشاراً لدى مدير الجامعة التي كان يتبعُ لها و ممثلاً عنها في بعض اللجان الدولية، و كأن التنمّر لم يعد حالةً فردية، بل تنمّر جماعي و له حاضنة مجتمعية و رابطة و قابلية! هذا المتنمّر نفسُه دخل عليه مجموعةٌ من المبتعثات يطلبن استثنائهن من الابتعاث الخارجي بحجة أنهن متزوجات و لا يستطعن السفر، فرد عليهن قائلاً “مين اللي قال لكم اتزوجو” فخجلن و صمتن، فنظر إليهن و قال “هيا انقلعو”.. أليس هذا تنمّراً! ليس تنمّراً فحسب بل إنه مرضٌ نفسي خبيث، تُصاب به الإدارات الأكاديمية إذا غاب عنها الرقيبُ و الحسيب.
و كعادة المجتمعات التقليدية التي تخشى من العار و ترفض النقد فإن أنفسنا أصبحت مهيئةً و مبرمجةً هكذا ضد أي فكرة ناقدة، فضلاً عن العلاج و الاستشفاء. قد نتفق على وجود أعراض التنمّر و آثاره على المجتمع الأكاديمي و قد نختلف على التسمية، و أياً كان الحال فإنَّ التنمّر الأكاديمي بات ناقوساً يجلجل في أعماق الفكر الجامعي و يهدده بالتضعضع و الوهن. إن الاستقواء بالسُلطة الإدارية و الوظيفية في تحقيق مآرب شخصية أو في ممارسة تصفية حسابات بينية لا يعكس فقط حالة المرض النفسية لدى المستقوي بها، و إنما يكشف عيوباً كثيرة و جوانباً من جوانب الضعف الإداري و الخلل البنيوي في تكوين الموارد البشرية لمؤسساتنا التعليمية.
من أسوأ آثار التنمّر الأكاديمي بجانب ضعف الأداء الإداري و الآثار النفسية الأخرى، وجود رغبة جامحة لدى الأكاديمي نفسه للعمل الإداري في أي جهة كانت حتى و لو كان عمله مجرد تصريف معاملات روتينية في إحدى العمادات أو مستشاراً (أون كول) لمدير الجامعة أو لأحد الوكلاء أو العمداء، لأنه ببساطة وقع تحت تأثير المتنمّرين، فأصبح دونهم و دون ما يحمله من علم، لا لشيء إلا لتلك الوظيفة أو ذلك المنصب، لك أن تتخيل طبيباً أو مهندساً يعمل في إحدى العمادات مشرفاً على برنامج صوري لا معنى له و لا قيمة، و هذه ثالثة الأثافي كما يقولون! و للأسف فإن الصراعات الناشئة بين الأكاديميين ليست صراعات فكرية و حوارات تنويرية و إنما صراعات تنمّرية إن صح التعبير، و كلُّ هذا يؤكد أنَّ التنمّر الأكاديمي حقيقة لا ضرب خيال.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*