مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الجمعة, 19 رمضان 1440 هجريا, الموافق 24 مايو 2019 ميلاديا

د. ربيع حسين يكتب...

خدها ببساطة: كل مفقود يقابله موجود

عزيزي القارئ، كثيرة هي المواقف التي نمر بها في حياتنا، وكثيرة هي الأشياء التي نكتسبها على خلال عمرنا، وكذلك كثيرة هي الأشياء التي نفقدها على مدار عمرنا.
فالإنسان يولد ضعيفا، لا يملك من حطام الدنيا شيئا، ثم يبدأ في اكتساب العلم ثم المال ثم الأسرة والأبناء ثم المكانة الاجتماعية وهكذا، ثم يبدأ بفقد تلكم الأشياء تدريجيا، كلما اكتسب شيئا فقد في مقابله شيئاً آخر.

مثلا: الأعزب يتمتع بوقته كاملا، يفعل فيه ما يريد، وكذلك يتمتع بماله كاملا ينفقه كما يشاء ويدخر منه ما يشاء، ولكنه في المقابل يفتقد جو الأسرة والأبناء والتنزه معهم والمناوشات والمشاكسات وما إلى ذلك من “كوكتيل” الحياة الأسرية.
وعلى الجانب الآخر، الرجل المتزوج، صاحب الأسرة والأولاد، لا يملك من وقته إلا القليل، ولا يدخر من ماله إلا القليل، وأيضاً ليس له من دولاب الملابس إلا جزء ضئيل، “الله يعينك يا حاج”.

ومثلا: المرأة التي لم تُرْزق بأطفال تملك وقتها كاملا، تستطيع أن تمارس ما تشاء، تُصلّي كما تشاء، تذهب إلى حلقات تحفيظ القرآن، ولكنها في المقابل تفتقد متعة وجود الأطفال واللعب معهم وتربيتهم وشراء حاجياتهم وما إلى ذلك.
وعلى الناحية الأخرى، فالمرأة التي رزقها الله أطفالا، مشغولة بهم معظم الوقت، ترعى وتربي، تنظف وتحمم، “ومش لاقية وقت لنفسها خالص”، لا وقت للقراءة ولا وقت للرياضة، فقد أصبح معظم وقتها يصب في مصلحة الأسرة والأولاد.

وهكذا، فالإنسان في مسار عمره، كلما أراد أن يكسب أمراً لابد أن يتجاوز عن أمر آخر أو عن جزء منه، كما تقول القاعدة “كل مفقود يقابله موجود، وكل موجود يقابله مفقود”
قال الله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) سورة البقرة.

بعض الناس يركزون فقط على ما يفقدون، ويعيشون في دائرة الحزن والألم، بل قد يتعدى الأمر إلى جلد الذات، أو الحقد على من حولهم، وبالتالي قد يميلون إلى العدوان على الآخرين لأخذ بعض ما لديهم، أو إلى حسد الآخرين على ما آتاهم الله من فضله…!
هؤلاء لن يشعروا بالسلام الداخلي، وسوف يكونون في حالة من الصراع الداخلي والخارجي، صراع الأفكار التي تدور في رؤوسهم وصراع التنافس غير الشريف مع الآخرين.

والبعض الآخر يعلمون جيداً أن الحياة قائمة على الاكتساب والفقد، فيعملون على العيش بتوازن بين ما يكسبون وما يفقدون، هؤلاء متصالحون مع أنفسهم ومع المجتمع من حولهم، يركزون على تطوير أحوالهم وليس على النظر إلى أحوال الآخرين.

ثم أنت لا تدري على وجه اليقين إن كان ما تملكه خيراً أم شراً، ولا تدري على وجه اليقين إن كان ما فقدته خيراً أم شرا.
قال الله تعالى (…وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) سورة الأنبياء
وقال تعالى (…وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) سورة البقرة
هل أتى…
والباقيات الصالحات..
ولنبلونكم..
وإن تعدوا…
وفي الختام:
عزيزي القارئ، خدها ببساطة، ركز على ما في يدك واسعد به، ولا تركز على ما فقدت فتعيش في دائرة الألم… وبس كدا.. حياكم الله.

كتبه: الدكتور ربيع حسين
مستشار سيكولوجي إكلينيكي
مستشار إدارة الخلافات الأسرية
مستشار التنمية البشرية والكوتشينج

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*