مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الأربعاء, 24 صفر 1441 هجريا, الموافق 23 أكتوبر 2019 ميلاديا

احدث الأخبار

ضبط أربعة متهمين قاموا باقتحام وسرقة مراكز تجارية في شمال الرياض الهلال يتصدر عربيا وآسيويا ومدرب النصر في المركز 24 عالميا الكاف يكشف أسباب إعادة نهائي أفريقيا.. وطلب للترجي “البنوك السعودية” تؤكد عمل أجهزة الصراف بكفاءة وتوفر العملات بها خلال أيام العيد «مصر» تستعدّ لتنظيم أكبر مائدة إفطار جماعي في العالم الجيش اليمني يحبط تسللا حوثيا في التحيتا هطول أمطار وسحب رعدية ممطرة ورياح نشطة في طقس اليوم أمر ملكي بترقية 1275 ضابطًا من الحرس الوطني “الخطوط السعودية” والاتحاد للطيران تضيفان وجهات دولية جديدة ضمن شراكتهما التجارية مطارات الرياض تنتهي من المرحلة الأولى لتطوير مواقف السيارات السجن 4 سنوات وغرامة 200 ألف عقوبة ارتكاب الحـوادث المرورية “متعدي أو مفرط” تعرف على طريقة حساب تعويض المستفيد من نظام ساند تسريبات تشير إلى تأجيل إطلاق “Nokia 9.1 PureView” “MediaTek” تستعد لإطلاق شرائح 5G للإصدارات المتوسطة في 2020 لماذا تصيب التهابات الجهاز التنفسى مرضى السكرى بصورة أكبر ! “البلازما الباردة” وسيلة فعالة فى علاج أنواع مختلفة من السرطان ! “كلوب” يسعى لضم نجم برشلونة في الميركاتو المقبل توتنهام يمطر شباك سرفينا زفيزدا بخماسية نظيفة بدوري الأبطال

إنما حصانة الأمم في أخلاقها

يعتبُ عليَّ بعضُ الأصدقاء أنَّ أغلب ما أكتبه من مقالات تكون موضوعاتها جادةً و موجهةً لفئةٍ مخصوصةٍ من القراء، و تناقش إما أوضاع أكاديمية تخص الجامعات السعودية أو سياسية لها علاقة بالأوضاع الراهنة في المنطقة العربية. و كلامهم هذا صحيح نسبياً، و السبب في ذلك أنَّ الجو الذي عادة أحيطُ به نفسي هو في غالبه جوٌ أكاديمي صرف، و له اهتمامات بالجوانب الاجتماعية و السياسية من باب التنظير ليس إلا.. ربما لو كنتُ رئيساً لبلدية منطقةٍ ما، و أقابلُ الناس على مختلف أطيافهم الفكرية و الثقافية، و أقضي مصالحهم الحياتية، و أتجول معهم و بينهم ميدانياً و بشكل شبه يومي، لكتبتُ على سبيل المثال يوميات قصصية أعالج من خلالها بعض السلبيات المجتمعية، أو ربما فقدتُ أعصابي -لا سمح الله- و كتبتُ فلسفةً رفيعةً راقيةً مثلما كان يفعل الأستاذ إبراهيم البليهي.
في ظل هذا العتب الممزوج بالمحبة، اقترح عليَّ أحدُ الزملاء من ذوي الشاعرية المفرطة أن أكتب “نزاريات” أضمّنها مزيجاً من العقل و العاطفة، على الأقل كي أُخرج نفسي من هذا القمقم الأكاديمي الذي أُبتلينا به، فقلتُ نعم الاقتراح هذا، و لكن كيف لي أن أكتب نزاريات و أنا أنا؟! و معلومٌ أنَّ نزاراً في الثلث الأخير من حياته تلبّس عاطفة المرأة تلبّساً عجيباً و تحدث بلسانها في قصائده أكثر و أبلغ مما لو كان هو مكانها! لا يمكن أن تجد شعراً جميلاً رقيقاً و ساحراً تستهويك كلماته و أخيلته كشعر نزار، و لا يبلغ ذروة هذا الفن إلا نزارٌ نفسه، و ما تعلمته أنا و ما ينبغي لي!
الشعراءُ من أكثر الناس بعد الفلاسفة تعظيماً للعقل و ركوناً إليه، و قد قاد بعضهم -و العياذ بالله- إلى تقديسه و من ثم إلى الإلحاد و الاعتراض على الشرع.. يُقال أن “عظمة العقل تخلق لصاحبها الحسد و عظمة القلب تخلق له الصديق”، و هذا القول إلى حدٍ ما مقبول، و لكن ماذا لو أنَّ عظمة العقل و عظمة القلب كانتا متوازنتين في آنٍ واحدٍ معاً أو بشكل تبادلي! قد يخلق هذا النوع من التوازن حالةً من التميّز فريدة، فلا إفراط في تعظيم و تقديس العقل، و لا تفريط في إعماله بشكل ما يطور الفكر و يخدم أغراضه. موضوع العقل و العاطفة موضوعٌ فلسفي عميق (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها)، و كما أن للعقل و العاطفة فلسفة فإن للفعل فلسفة أيضاً، و لا يمكن فصلهما عن بعض، و لو أن عموم الفلاسفة فصلوا بينهما و استعلوا بالعقل على الفعل و انحازوا له، و بقي الإنسان البسيط يُفلسف أفعاله حسب واقعه و ظروفه.
حضرتُ مرة محاضرةً لأحد الأساتذة في أمريكا، أستاذٌ أمريكي من أصول هندية، حائزٌ على الدكتوراه في الفيزياء و دكتوراه في الرياضيات و دكتوراه في الإحصاء، ذو عقل حصيف، كانت محاضرته عن نظرية وجود الإله و تفرده بالألوهية. المحاضرة كانت مثيرة كعنوانها، كان يتحدث في جمع من المتخصصين بلغةٍ رياضيةٍ بحتة، لم يتطرق لنصوص دينية إطلاقاً، و لم يستشهد بآراء علماء الدين.. أعجبني كلامه لدرجةِ أنني ظننته من المعتزلة الجدد!، و لما انتهى من محاضرته ذهبتُ إليه و تحدثتُ معه عن موضوع المحاضرة، و قلت له نحن المسلمين نؤمن بما توصلتَ إليه دون كل هذا العناء و الجهد العلمي الرائع، ففاجأني برده حينما بدأ يتلو باللغة العربية قول الله تعالى (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد)، فسألته هل أنت مسلم؟! قال لا، و لكن أمام هذه النصوص العظيمة لا يمكن لأي عاقل ألا أن يؤمن بها.. تصوروا أنه كان في فترة من فترات حياته مُلحداً ثم بوذياً و قبل أن يموت بأشهر قليلة قام بأجراء عملية تحول جنسي و تحول إلى أنثى! لم يهده العقل إلى قبول النقل و الإيمان به فمات كالحيوان.
في جامعاتنا كانوا يدرّسون الطلاب في مقررات مادة الثقافة الإسلامية الإيمانَ بوجود الله، و كانوا يستحضرون بعض آراء و أقوال الفلاسفة و علماء المادة الغربيين، و كنتُ أقول لا داعي لتدريس مثل هذه الموضوعات، فنحن شعبٌ مسلمٌ بفطرته، و العقل السليم لا يتعارض مع النقل الصحيح، إلا أن الأيام أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن تحصين الشباب المسلم ضرورةٌ تقتضيها المرحلة الراهنة، خصوصاً في ظل العولمة التي تعيشيها الإنسانية، و في ظل هذا الانفتاح المحتوم على ثقافات العالم. مجتمعنا ليس مجتمعاً ملائكياً، و لا محصناً ضد الكفر و الإلحاد أو ضد الرذيلة هكذا بفطرته و عروبته، و لكنه محصنٌ باتباع الدين، ليس في عمومه فقط بل بأدق تفاصيله و جزئياته، فإن نحن أبعدنا الدين عن حياتنا -لا سمح الله- فقدنا الحصانة، و زادت حالات الضياع و انحل النشء و ساءت أخلاقه.. إن أكبر ما يمكن أن تخسره الدول، حتى أكثر من خسائر الحروب و الصراعات، هو أن تفقد شعوبها الأخلاق و القيم المجتمعية، و عندئذ ستكون مهمة غرس القيم الرفيعة و الأخلاق المثلى في هذه الشعوب إما مستحيلة و متعذرة أو مكلفة جداً، و لذلك قال أمير الشعراء و أعقلهم: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة