مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الجمعة, 19 صفر 1441 هجريا, الموافق 18 أكتوبر 2019 ميلاديا

احدث الأخبار

ضبط أربعة متهمين قاموا باقتحام وسرقة مراكز تجارية في شمال الرياض الهلال يتصدر عربيا وآسيويا ومدرب النصر في المركز 24 عالميا الكاف يكشف أسباب إعادة نهائي أفريقيا.. وطلب للترجي “البنوك السعودية” تؤكد عمل أجهزة الصراف بكفاءة وتوفر العملات بها خلال أيام العيد «مصر» تستعدّ لتنظيم أكبر مائدة إفطار جماعي في العالم الجيش اليمني يحبط تسللا حوثيا في التحيتا نائب رئيس الوزراء اللبناني: استقالة الحكومة واردة رئيس التشيك يطالب أوروبا بمواجهة العدوان التركي على سوريا إقالات واسعة في حكومة السودان غزة تستعد لجمعة “لا للتطبيع” أرامكو ترجئ طرحاً أولياً لحين تحديث نتائج الأعمال اليابان: سنعمل مع أميركا لتأمين الملاحة بالشرق الأوسط تحت أنظار جروس .. صالح المحمدي يُنهي مشواره مع الأهلي أمام التعاون الذهب يستقر فوق 1490 دولارا بفعل بيانات صينية ضعيفة “عمل وتنمية الرياض ” في ورشة عمل توطين وظائف الشؤون الإسلامية تنظم ملتقى الأمن الفكري الأول للجاليات بجازان سفارة المملكة في لبنان تدعو رعاياها لتجنب أماكن المظاهرات الأمير خالد بن سلمان يبحث مع “هايل” جهود مكافحة الإرهاب

أ.د. بندر الزهراني يكتب لكم: الحب أعمى.. فانتازيا على خفيف!

يُقال عن أفلاطون، و هو الفيلسوف ذائعُ الصيتِ و التلميذُ النجيب لسقراط و الأستاذُ المبجل لأرسطو، أنه أولُ من قال العبارة المشهورة “الحبُ أعمى”، و هذه العبارة مهما اختلفت تفسيراتُنا لها تظلُ صحيحةً و قريبةً من الواقع إلى حدٍ كبير، فالحبُّ في حقيقته لا يتوقف عند مشاعر المحبوب و ردة أفعاله و إنما على مشاعر المُحب و سعة خياله، و لذلك قال أبو الطيب المتنبي: و ما انسدت الدنيا عليَّ لضيقها، و لكن طرفاً لا أراك به أعمى، و يؤكد ذلك البردوني حين يقول: و المرءُ إنْ أشقاه واقعُ شؤمهِ، بالغبن أسعده الخيالُ المنعِمُ، و تحتمل عبارة أفلاطون عدة تفسيرات، منها أن يكون المُحبُ قد أعياه الواقعُ و الخيالُ معاً فما عاد يبصر شيئاً إلا حبيبه و بات يسير إليه في طريق من الجنون و فقدان العقل، و تحتمل أن يكون المحبُ صار مطواعاً لحبيبه و لا يرفض له شيئاً يطلبه مهما كان، و تحتمل أيضاً أنَّه لا يقبل أن يسمع في محبوبه عذلاً أو لوماً أو أيَّ شيءٍ حتى و لو كان ما يقوله الوشاةُ و العذالُ عنه صحيحاً.. و أيا كانت هي احتمالات الفلاسفة و الشعراء فلا يزال لدى غيرهم من البسطاء و العوام تعريفات مُثيرة و شيّقة لمعنى الحبّ و ربما ظهرت معهم معالمٌ جديدة لحد العمى و مستوى الإبصار.

في القرن الثاني قبل الميلاد و قبل أن ينتصر الرومان على القرطاجيين و يهرب هنَّبعل إلى الأناضول و ينتحر هناك كما يقول مؤرخو تلكم الحقبة الزمنية، كان هناك فتى يُقال له كوكاليس، و برغم غرابة الاسم و حداثته عن أسماء تلك الفترة إلا أن كوكاليس كان اجتماعياً و وجهاً مألوفاً، و كان فيلسوفاً نبيلاً يعشق البايرن و يعجبه أداء نادال و جوكوفيتش.. ذات مرة التقى فتاةً فقيرةً جميلةً من طبقةِ العبيد يُقال لها مورفين، فكانت له كالسحر، كان إذا شعر بضيق أو كدر ذهب إليها، فإذا رآها سكنت آلامُه و زال كدرُه، و تقول الأساطير أنَّ مسكنات المورفين المعروفة اليوم ترجع نسبتُها لتلك الفتاة القرطاجية العجيبة، سألتْه يوماً عن الحب، فقال لها: الحبُ شعورٌ متمردٌ لا يمكن كبحه أو السيطرة عليه، هو كالموجات الكهرومغناطيسية، يخترق دواخلنا دون أن نعيه أو نشعر به، فقالت له أخطأت تعريف الهوى أيها الفيلسوف النبيل، الحبُ ما هو إلا مصلحةٌ مربوطة بالزمكان، فإما أن تكون لك أو هي عليك! فلم يعي قولها، و ظل سابحاً في خيالاته حالماً بما هو فيه، و لما أغارت عليهم خيول الإسكندر، كانت مورفين قد اختارت الذهاب مع تاجر مقدوني إلى زيلامسي تقضي شهراً من العسل هناك، فكتب كوكاليس تغريدة على قبره قبل أن ينتحر، جاء فيها: احذروا المورفينيات فإنهن لبُّ المخدرات و الإدمان و أساسُ مرض الاكتئاب، و إلى يومنا هذا و الأطباء يحذّرون من استخدام المورفين و لكنَّهم في معظم الحالات يصفونه علاجاً لمرضاهم و مسكّناً لآلامهم و آهاتهم.

في الجانب العربي كان لدختنوس صاحبة الوجه الجميل و الرأي السديد و المنطق العذب قصصاً و حكايا، قيل أنها تزوجت من ابن عمها و كان رجلاً كريماً شهماً و شجاعاً قوياً و لكنه كان يكبرها سناً، فقد كان عجوزاً هرماً و كريه الرائحة و المنظر، فخلعته “أونلاين” في غمضة عين، ثم تزوجت بابن عمها الآخر، و على نقيض زوجها الأول كان جباناً خوافاً و كسولاً كثير النوم على أنه طيب المعشر و دمث الخلق، قُتل و هو نائم في إحدى الغزوات، فحزنت عليه دختنوس و رثته بقصيدة، ثم تزوجت من بعده بشاب وسيم قد شغفها حباً و دلالا، إلا أنه كان فقيراً مدقعاً في فقره، يكاد لا يجد قوت يومه، و لما احتاجت دختنوس في الصيف لبعض الطعام أرسلت لزوجها الأسبق رسالة نصية تطلبه لبناً، فرد عليها ساخراً بقوله “الصيف ضيّعت اللبن”، فلما بلغها قوله هذا قالت و هي تُشير إلى زوجها الوسيم “هذا و مذقة لبن خير” بمعنى أنها ستصبر على ما هي عليه مقابل حبها وحفاظها على زوجها.. الجميلُ في خوارزميات هذه الدختنوس أنها تؤكد من جهة على أن “الحبَّ مصلحة” كما كانت تقول السيدة مورفين، و أعمى من جهة أخرى كما كان يقول أفلاطون.

أبو الفضل العباس بن الأحنف شاعر الغزل الأول، قال عنه البحتري أنه أغزلُ الناس، كانت له حبيبةٌ لا يصرّح باسمها، و إنما يُطلقُ عليها اسماً مستعاراً في أشعاره فيقول “فوز”، تخيلوا لو أنَّ أبا الفضل هذا عاش معنا في أيامنا هذه و كان له حساب على تويتر أو فيسبوك! تُرى كم اسماً مستعاراً كان سيستخدمه هذا المغزول لنفسه أو سيطلقه على معجباته! و هو القائل: كم من كواعبَ ما أبصرنْ خطَّ يدي، إلا تشهَّين أن يأكلن قرطاسي! ربما لو رأى إحدى الفاشينيستات من هؤلاء المائلات المُميلات لذهب بصرُه كله في شاشة الآيفون أو الجلاكسي! و على ذكر وسائل التواصل الاجتماعي الذي تنتشر فيه علاقات التعارف و التصادف فإنَّ الحب فيها لا يُولد أعمى فحسب بل يُولد مُعاقاً و مشوّهاً أو مسخاً أو شيئاً مستنسخاً لا طعم له و لا لون، أوَمن يُنشَّؤ في أحلك الظلام و هو في الواقع سرابٌ مبين!

و لأنَّ الحبَّ لا يقتصرُ على حبّ الرجل للمرأة أو العكس، كان حبُ المال و السُلطة و الشهرة محققاً بشكل تكاملي لمقولة أفلاطون المُعتبرة و نصيحة مورفين الفانتازية، و ربما تعداهما إلى “و من الحبّ ما قتل”. فهذا على سبيل المثال رمسيس الثاني فرعون مصر الذي حكى عنه القرآن الكريم في أكثر من موضع، استخف قومه فأطاعوه، فتجاوز في دكتاتوريته كل الخطوط و كل الدوائر و الحدود و ادعى الأولوهية، و قال أنا ربكم الأعلى، و لولا أنه بلغ درجةً من حب التسلط اللاممكن مع توفر القوة الطاغية و السُلطة المطلقة و المال الفاحش و قد أعماه كلُّ ذلك عن أن يتذكر طبيعته البشرية الضعيفة لما فعل ما فعله، و كذلك كان قارون الذي أعماه حبُّ المال و الشهرة و التميز على الناس فتكبّر عليهم و طغى، و من ألِف الذنوب و أحبها كَثُر على قلبه الرّان، و النماذج التي أعماها الحبُّ المفرط كثيرة و كثيرة جداً لستُ بصدد استعراضها، و لكن ليس من المعقول تعميم مثل هذه القصص على إخفاقات الحبّ الأعمى، فهناك نماذج عديدة أعماها الحب بشكل إيجابي، فحققت نجاحات في جوانب معينة و أخفقت في جوانب أخرى.. المؤكد أن الحبَّ لا يولد أعمى و إنما يُصاب به لاحقاً، في كل الأحوال سيظلُ الهوى مصيدةَ العشاق و مربطَ أخيلتهم، و سنظلُ مع رائعة ناجي نرددُ و نغني بصوتٍ عذبٍ و شجي؛ هل رأى الحبُّ “ضحايا” مثلنا.!

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة